fbpx

نقد النقد بين النقد والانتقاد

نقد النقد بين النقد والانتقاد

السلام على من اتبع العقل ونبذ النقل وفكر.. عسلامة

لا شك بأن النقد مطلوب أي كانت الفكرة، ولكن عندما يتحول النقد إلى أداة سلبية تهدم وتدمر فقط، بعيداً عن النقد الإيجابي البناء، فإن الأمر يصبح أخطر من الفكرة التي تم انتقادها من الأساس وإن كانت بشعة بحد ذاتها.

النقد علم وفن في نفس الوقت، فإن له قواعد وشروط يجب الالتزام بها من جهة ومن جهة أخرى هناك أسلوب يجب اتباعه يميز الناقد المحترف عن الهاوي.

من الأهداف الأساسية للنقد هو إيجاد البديل أو الحلول الأفضل وأي نقد لمجرد النقد، فهو مجرد تنديد وتصريح بالعيوب والهدف منه إدانة الفكرة وتحقير من يعتقد فيها فهو عمل عدواني بعيد عن الإصلاح.

مع الأسف في منطقتنا لا نفرق بين النقد والانتقاد، رغم أن اللغة العربية تفرق بين الأمرين تفريق واضح وجلي، حيث النقد هو تقييم إيجابي محايد، يعتمد على المنطق لإظهار نقاط الضعف والقوة في الفكرة مع التركيز على العيوب من أجل إصلاحها، أصحاب هذا النقد هم أصحاب الاختصاص في الموضوع الذي يتم نقده، الذين يقومون ببحوث دقيقة وموضوعية تلمس الفكرة أو التصرف بغض النظر ممن يعتقد فيها أو يمارسها، فهو نقد لا يوجه للأشخاص أو الجماعات، بل هو مجرد نقد للفكرة بموضوعية.

أما الانتقاد (المعروف بمصطلح التنمر) فهو أمر آخر كلياً فهو في البداية موجه للأشخاص أو الأفراد في الدرجة الأولى من أجل التجريح والتحقير والتقليل من شأنهم، ولا يركز إلا على الجوانب السلبية فقط، ولا يكترث بالإصلاح، بل الهدم، فهو يضرب الفكرة برمتها ويجعلها شر مطلق، وهذا النوع من النقد نطلق عليه النقد السلبي والمقصود به الانتقاد، هذا الانتقاد يصدر من أشخاص إما يجهلون موضوع النقد كله ولا يعتمدون على المنطق، أو أشخاص هدفهم الأساسي من النقد هو تدمير الآخر.

طبعاً أنواع النقد كثيرة في جميع المجالات.. الاجتماعية، الاقتصادية، التاريخية وحتى النفسية، كما أن أساليب النقد عديدة وتكون عن طريق الكلمة، الكتابة، الرسم، الغناء أو الفن بصفة عامة. كما أن هناك نقد للأيديولوجيا مهما كانت ونقد للأفكار، ونقد للجماعات ونقد للأفراد… كما أن هناك من هم محترفون في النقد وهناك من هم هاوون وهناك طبعا الطفيليين.

الذي يهمنا في هذه الخاطرة هو نقد الأيديولوجيات وبالأخص نقد الأديان، الذي هو موضوع مهم جداً ليس في وقتنا الحاضر فقط، بل يمكن القول أن البشرية قامت على النقد منذ بداية وجودها لكي تتطور، طبعاً نقصد هنا النقد البناء ليس الانتقاد الذي هو نقد سلبي، النقد السلبي عبر التاريخ لم يغير شيئاً سوى نشر البغض والكراهية والصراعات بين الأيديولوجيات والشعوب وكان دائماً عنصر سلبي ومدمر.

من القواعد الأساسية للنقد الأيديولوجي هو عدم ذم الأيديولوجية كلياً مهما كانت، صحيح أن هناك أيديولوجيات أكثر عرضة للنقد من غيرها ولكن لا يمكن أن تكون شر كلها، كما لا يمكن أن تكون خير كلها.

أي شخص يقوم بالانتقاد فاعلم وبأن نواياه غير صادقة ونقده له دوافع غير الإصلاح، إما أن يكون متعصب وحاقد أو مأجور وفي الغالب تكون الأيديولوجية المنتقدة تشكل خطر على الأيديلوجية التي يعتقد بها الناقد.

طبعاً النقد موجود بين الأيديولوجيات وهذا أمر طبيعي يساعد على تطور الأيديولوجيات مع الوقت وقد تتغير مواقفها، ولكن أن يصل النقد إلى درجة جعل الأيديلوجية المخالفة كلها لا تصلح لشيء ولا يمكن إصلاحها ولا حتى القبول بها من الأساس مهما كانت تفرعاتها فهذا أمر غير منطقي وغير مقبول.

نجد هذا الأسلوب من الانتقاد خاصة عند الأيديولوجيات التي تعطي لنفسها القداسة على أنها الحق المطلق سواء العنصرية منها أو الدينية وطبعاً نخص بالذكر الأديان الإبراهيمية والمذاهب التي تتفرع منها حيث تخلق مصطلحات مثل ما نجد في الدين الإسلامي “الكافر” ونجد في الديانة اليهودية يطلقون كلمة “الأغيار” لمن هم غير يهود أو “الضال” عند المسيح لمن هو غير مسيحي.

العداوة بين هذه الديانات الإبراهيمية قد أوصلت البشرية إلى الحروب والقتل والإبادة، كما يقول المثل التونسي “صاحب حرفتك عدوك”، لأنهم كلهم ينبتون من نفس المنبع ويستعملون نفس الأسلوب لكسب عامة الناس، فكل دين من هذه الأديان ومذاهبها ينصب نفسه الحق المطلق الصادر عن الرب أو الإله المطلق ومن خالفه فهو إبليس والشيطان، هذه مصطلحات يتفقون عليها للإدانة الآخر.

أما القاعدة الثانية في النقد البناء هي عدم نقد فكرة مهما كانت خارج إطار زمانها ومكانها، حيث الكثير من المتطفلين في النقد مع الأسف من ينقد الأفكار بعقلية عصره وزمانه وهذا منطقياً غير مقبول، الناقد المحترف ينوه لهذه المسألة ويقول أن هذه الفكرة كان معمول بها في العصور السابقة وكانت أمراً عادياً نتيجة الزمان والمكان ودرجة وعي الإنسان في ذلك الزمان ولم تعد صالحة اليوم، ويذكر الأسباب التي جعلتها مقبولة من قبل والأسباب التي تجعلها غير مقبولة اليوم.

فالناقد المحترف يأخذ بعين الاعتبار الظروف والعوامل الذي تحيط بالفكرة من كل جوانبها التاريخية واليوم، حيث كم من فكرة كانت تعتبر عمل راقي ومشرف أو حتى عادي، أما اليوم لم تعد كذلك، لهذا أي فكرة مهما كانت بشعة وغير مقبولة اليوم لا يعني أن الفكرة بحد ذاتها مدانة كلياً وإنما لم تعد صالحة وانتهى زمانها، مثل أي منتج لا يمكن استعماله بعد انتهاء صلاحيته، وهذا لا يعني أن المنتج في الأصل ليس بجيد، كما لا يمكن أن تدين وتتهجم على من قام بذلك الفعل أو اعتقد بتلك الفكرة في عصر غير عصرنا، لأنه لم يكن يفكر مثلنا.

أما القاعدة الثالثة والأخيرة وهي الأهم.. عندما تنتقد فكرة يجب أن تقدم البديل، ولا تنتقد دون أن يكون عندك بديل من جهة ومن جهة أخرى لا يجب أن يكون البديل مستورد وليس من طبيعة المنتقد، من السهل استيراد أفكار لا تتوافق مع طبيعة الشعب، ولكن من الصعب أن تقدم بديل من نفس طبيعة المنتقد يوافق الإطار الفكري لتلك الشعوب، ولهذا على الناقد أن يحمل نفس الإطار الفكري للمجتمع الذي ينتمي إليه، ولا يحمل إطار فكري غريب عن ذلك المجتمع.

وهذا يفسر عدم وقوع التغيير الإيجابي لدى شعوبنا، لأن أغلب ما قدم إلى هذه الساعة لا يتلاءم مع طبيعة شعوبنا، ولا طريقة تفكيرهم، نحاول إما أن نستورد أفكار جاهزة قد نجحت عند شعوب أخرى وندعوه للتخلي ليس فقط عن أفكاره، بل عن طبيعته لكي تتلاءم مع الأفكار المستوردة، هذا الأسلوب يمكن أن ينجح لو غيرت الشعوب طبيعتها، ولكن نحن نعلم أن شعوبنا من الصعب إن لم أقل من المستحيل أن تغير طبيعتها لأن ذلك ما يميزها عبر التاريخ فهي دائماً تتغير بأفكار جديدة تلائم طبيعتها وليس بأفكار مستوردة.

يجب أن نتعلم النقد البناء ونتخلى عن الانتقاد الهدام، وأن ننقد الأفكار بطريقة مجردة دون إدانة ايديولوجية برمتها ولا شعب برمته وأن نأخذ بعين الاعتبار الزمان والمكان والظروف التي نشأت فيها الفكرة المنتقدة ونركز على عدم صلاحيتها اليوم ونذكر الأسباب ونكون موضوعيين في النقد. وأخيراً أن نقدم بديل حقيقي يناسب طبيعة شعوبنا ولا نقدم لهم حلول بعيدة كل البعد عن طبيعتهم ونطلب منهم الانسلاخ من جذورهم لكي تتوافق طبيعتهم مع الأفكار المستوردة.

الأفكار لا تنتهي، وما هو موجود اليوم من أفكار نعتبرها إنسانية وحضارية ومتطورة، سوف يأتي يوم تصبح فيه متخلفة وهمجية، إذاً لا تقل ما هو موجود الآن هو قمة ما يمكن أن تصل إليه البشرية. وإن الأفكار الإنسانية التي وصل إليها الغرب اليوم قد نبعت منه ومن طبيعته، لم يستوردها لا من عندنا ولا من الصين ولا من المريخ.

علينا بخلق أفكار حضارية تناسب طبيعتنا وخصوصيتنا مع مراعاة ما توصلت إليه البشرية اليوم، وقد تكون أفكارنا الجديدة أكثر إنسانية من الأفكار الغربية تستفيد منها الشعوب الأخرى وحتى الغرب نفسه، لأن ما وصلنا إليه كبشرية بصفة عامة ما هو إلا بداية لتغييرات كبيرة أخرى تجعلنا أكثر إنسانية في التعامل بين بعضنا كشعوب وأيديولوجيات وأفكار.

الفكر الإمبريالي والذي يتصور نفسه يملك الحقيقة المطلقة سواء كان وضعي أو غيبي لم يعد ينفع، فليس هناك شعب أفضل من شعب ولا لغة أفضل من لغة ولا عادات وتقاليد أفضل من غيرها … هناك أفكار وتصرفات أكثر حضارية وأخرى أقل، والحضاري هو المتسامح والمتنوع الذي يقبل الآخر والذي لا يفرض نفسه على الآخرين. التنوع والاحترام هو أساس الإنسانية التي نحن في أول طريقها.

ماسين كيفن العبيدي

1 تعليق

  1. Dima Rushdi

    Great article! very informative

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

آخر المقالات …

لماذا من الصعب مقاضاة راشد الغنوشي؟

لماذا من الصعب مقاضاة راشد الغنوشي؟

لماذا من الصعب مقاضاة راشد الغنوشي وعصابته؟
هل تعلم لماذا لا يستطيع قيس سعيّد والقضاء التونسي محاكمة راشد الغنوشي وعصابته على جرائمهم في حق تونس على مدى نصف قرن؟ لأن هذه الجرائم تصنف تحت خانة الجرائم السياسية

قراءة المزيد

Pin It on Pinterest

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية ولا تفوت الجديد!